قبل عدة سنوات كنا نسخر من التطور التقني والتكنولوجي الذي نشاهده ونعيشه في الوقت الحالي، قائلين إن الإنسان غير قادر على الوصول إلى هذه المرحلة من التطور والتقدم، لكن، ومثل كل عقد، يثبت الإنسان أنه قادر على صنع تغيير مفاجئ وضخم مثل هذا.
الذكاء الاصطناعي هو أحد أهم هذه التغيرات التي حدثت للإنسان. في بداية الأمر كانت حقيقة وجود موقع أو جهاز يتحدث كالإنسان ويستطيع التواصل والتفاعل وإبداء وجهات نظره وآرائه مرعبة، لكن مع الوقت أصبح هذا الشيء أشبه بمعجزة، وكان —من المفترض— أن تساعد هذه المعجزة الإنسان على التطور والتقدم. لكن ما حدث هو أنها استطاعت أن تسيطر على الإنسان عن طريق إيقاف عقله عن العمل، والقيام بعمل كل شيء بالنيابة عنه، وهذا ما سبب تلفًا واضحًا في الجيل الجديد بشكل خاص.
أي تعفن حقيقي وفعلي يبدأ دائمًا بخطوة صغيرة، ويعتبرها الجميع في البداية شيء عادي، لكن مع الوقت يتحول هذا الشيء العادي إلى عطب لخلايا المخ والدماغ، فمثلًا؛ نلاحظ أن أغلب الطلاب اليوم يعتمدون على الذكاء الاصطناعي اعتمادًا كليًا في القيام بواجباتهم وأبحاثهم، بدأ الأمر بكتابة واجب واحد فقط، لكن انتهى الأمر اليوم بأن نرى الطلاب وهم يواجهون صعوبة واضحة في الكتابة أو التفكير أو التركيز من دون العودة إلى الذكاء الاصطناعي. اعتمادهم هذا جعلهم يصلون إلى مرحلة اعتقاد بأنه لا يوجد مبرر حقيقي لاستخدام عقولهم والتفكير بشكل مستقل، وأصبحوا يحملون يقينًا خاصًا بأن استخدام الذكاء الاصطناعي — بهذا الشكل المبالغ فيه— سيساعدهم في فهم كل شيء، والوصول إلى المعرفة بشكل أسرع.
لم يعد التلف هنا مقتصرًا على الكسل العقلي أو فقدان القدرة على التفكير، بل امتد ليصل إلى تشويه قدرة الإنسان على بناء مبادئ حقيقية واتخاذ مواقف شخصية. نلاحظ اليوم أن كثيرًا من الناس أصبحوا غير قادرين على تكوين مبادئ واضحة أو اتخاذ مواقف ثابتة، لأنهم يلجؤون في كل مرة يواجهون فيها مشكلة إلى الذكاء الاصطناعي، فيقوم بتقديم وجهة نظر جاهزة لهم، تتغيّر وفق الموقف والبرمجة، دون مراعاة للثبات أو العمق أو الحقائق. هذه المشكلة سببت مشاكل أخرى، فاليوم يرفض الإنسان الاعتراف بأي خطأ قام به، وأصبح يعتقد بأنه على صواب دائمًا، بسبب التحليلات والآراء التي يقدمها له الذكاء الاصطناعي، رافضًا تصديق حقيقة أنه مبرمج على التعامل مع كل شخص بطريقة مختلفة، وفقًا للمعلومات الشخصية التي يتلقاها منه.
بمعنى آخر، نحن الآن نعيش في مرحلة جديدة ومختلفة تمامًا، حيث يرفض الإنسان التفكير والتفاعل، وإنجاز أعمال حقيقية، بينما يقاتل هذا الجهاز على اخذ هذه الفرصة والعمل بالنيابة عنه، مما أدى إلى تراجع مستوى الوعي والتركيز والتفكير، وانخفاض واضح في الحس الإبداعي، ومشاكل في بناء مبادئ حقيقية، أو في تكوين ذكريات وأحداث، وقد تكون هذه الكارثة التقنية أحد أسباب زيادة البطالة كذلك.
إضافة إلى ذلك، أصبح الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات أمرًا شائعًا، مما ساهم في انتشار المعرفة السطحية. فالكثير من المستخدمين يكتفون بالمصادر التي يقدمها لهم الذكاء الاصطناعي دون مراجعتها أو التحقق من دقتها، بينما يقدم البحث اليدوي والقراءة من الكتب والمصادر الموثوقة معلومات أعمق وأكثر وضوحًا ودقة. اليوم، نرى كيف أثر هذا الاعتماد على النقاشات اليومية، إذ أصبحنا نرى شخصين يتناقشان حول موضوع واحد، لكن كلًّا منهما يمتلك مصدرًا مختلفًا ومتناقضًا، مما يؤدي إلى ضياع الفكرة الرئيسية تمامًا، وهذا يعود إلى الاعتماد السطحي على المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، دون تدقيق أو وعي حقيقي بالمعلومة.
لا يستطيع أحد منا إنكار أهمية الذكاء الاصطناعي، جميعنا قمنا باستخدامه واللجوء إليه في مواقف كثيرة، مثل المساعدة في أعمال البحث باستخدام أدوات مميزة مثل deep research، أو من أجل التدقيق اللغوي عند الكتابة العاجلة، أو من أجل الوصول إلى مصادر موثوقة، الخ.. لكن، ومثل أي موقع آخر، هناك حدود معينة لهذه القوة، عندما تتجاهلها ستقع أنت وعقلك في مشاكل خطيرة.
هل هناك طرق تساعد مدمنين الذكاء الاصطناعي على تقليل المخاطر التي سببها، وعدم الاستعانة به في جميع المجالات والمواقف؟ نعم. هناك عدة طرق للتعامل مع هذا الإدمان، والمثابرة على العمل عليها قد تساعد الإنسان في العودة إلى هيئته الطبيعية، وإلى قدراته السابقة على التفكير والتركيز بشكل طبيعي، من هذه الحلول:
تركيب أفكار كاملة وكتابتها، والبحث عن مراجع بشكل شخصي على مواقع مثل غوغل، قبل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
البحث في مصادر حقيقية وملموسة، مثل الكتب والجرائد، والمواقع الشخصية أو الموثوقة، وعدم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في جلب المعلومات.
التواصل مع الأصدقاء أو أشخاص حقيقيين ومختصين، والتوقف عن طلب المساعدة والنصائح العاطفية والنفسية من برنامج مبرمج على الوقوف في صفك دائًما.
التقليل من استخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع حد يومي إذا كنت تشعر بضرورة الابتعاد عنه لبعض الوقت.
وضع تحديات شخصية بسيطة للسيطرة على الذات، ولإعطاء النفس فرصة لإدراك قدراتها، مثل مشاهدة مقطع يوتيوب بدون أي مشتتات خارجية، أو تعلم كلمات من لغة أخرى، أو كتابة مقال قصير.
في النهاية، على الرغم من الفارق الكبير الذي صنعه هذا البرنامج، والمساعدة الجانبية التي يقدمها لنا، يجب علينا إدراك وفهم حقيقة أننا نحن من نقرر مدى تأثير هذا البرنامج على حياتنا، وهل يساعدنا، أم يدمر حياتنا ويتلف أدمغتنا.


مُبدعه💞💞